( الحلقة الثالثة من سلسلة الشيخ سيدي بوعمامة )

( الحلقة الثالثة من سلسلة الشيخ سيدي بوعمامة )

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد النبي الأمين وعلى آله وصحابته أجمعين...

في البداية أهنئ نفسي وأحبابي جميعا بهذا الشهر المعظم الطاهر المطهر، الذي أكرم الله به أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. استثناء من باقي الأمم، كمحطة للتطهير والتجديد ومراجعة الذات. فاللهم اجعلنا من المعظمين لحرماته، من المغتنمين لفضائله وخيراته، من الشادين عليه بالنواجذ حتى لا يخرج إلا وصحائفنا بيضاء نقية، من الذين يشهد الله عليهم ملائكته بأنه قد غفر لهم، اللهم ءامين وبعد..

نتابع حصصنا المباركة التي تعرف بالشيخ بوعمامة. وبالمناسبة فإني قد تابعت جملة من التعليقات والتعقيبات، وأتأسف كثيرا لأن العديد من الأحباب لا زالوا لم يستوعبوا ما نحن بصدده من إجلاء الحقيقة الكاملة عن الشيخ الوقور، سيدي محمد بن العربي الملقب: الشيخ بوعمامة...

ذكرت في مقال سابق أننا نريد أن نسلط الأضواء على مكانته العالية، ومقامه السامي، وإشعاعه الواسع، والمساحة المكانية الطويلة والعريضة التي غطتها حركاته الميدانية، والمدى البعيد لجهاده العظيم، والآفاق الواسعة لتربيته للأجيال، وقوة نجاحه في التلحيم بين صفوف القبائل المتنافرة، والمدرسة الربانية الفريدة التي خلفها، والتي لا زالت تمدنا لحد الآن بعمالقة الرجال في بقاع الدنيا، والإرث العظيم الذي خلفه طيلة مقارعته للعدو الغاشم،ـ الذي ما فتئ يجند له أعتى الضباط كالطاغية ليوطي، وأشجع المقاتلين من ذوي التجارب والخبرات في حروب سابقة كحرب الهند ـ الصينية،

وكانوا بالآلاف، كل ذلك كان بدون جدوى، وثباته الغير مسبوق كقائد لأعظم الثورات ضد العدو الفرنسي، بحيث يعتبر الوحيد من رواد الثورات التي قامت ضد فرنسا الذي لم ينهزم، ولم يساوم، ولم يستكن طيلة سبع وعشرين سنة، من أول لحظة من ثورته المباركة في شهر أبريل 1881، والتي نحن على أعتاب ذكراها بعد أيام، يوم 18 الجاري، إلى آخر لحظة من حياته في أكتوبر 1908 حين التحق بالرفيق الأعلى كريما مكرما إن شاء الله، مرورا بالملحمة العظمى لمعركة المحال السبع، والتي قد نأتي على تفاصيلها إن شاء الله، ومن شاء تفاصيل هذه المعركة فليعد إلى كتابنا الجزء الأول من سلسلة التعريف بالشيخ بوعمامة، تحت عنوان: تضحيات ومواقف وجهاد...

هذه رؤيتنا الواسعة، وهذا هدفنا من فتح هذا المنبر، لا أن نتحدث عنه في الحيز الضيق الذي يركز عليه بعض الأحباب، حين يلحون أنه من هذه الجنسية أو تلك، في حين لم تكن آنذاك هذه الجنسيات التي يروجون في تلك الربوع. إن الشيخ بوعمامة هو من طينة الرجال الذين يتعالون عن الانتساب الطيني، لأنهم ينتمون للأمة، ولا ينحصر انتماؤهم إلى القبيلة، ـ وأعرف أنه ينتمي لقبيلة أولاد سيدي الشيخ العظيمة، والتي لها باع طويل في الجهاد، ولعلمكم فأنا أنتمي إلى هذه القبيلة بكل فخر واعتزاز، ـ ولا ينحصر انتماؤه لشعب معين، ولا ينحصر انتماؤه إلى جنسية ضيقة، لأنه ابن الجميع وأخ الجميع وأب الجميع..

نعم، إنه ينتمي طينيا إلى قبيلة بالتأكيد، وينتمي إلى شعب باليقين، وينتمي إلى جنسية معينة بلا شك، ولكن انتماءه الروحي لا ينحصر في هذا الحيز الضيق أو ذاك، لأنه فوق هذا وذاك، لأن مكانته وقدره وباعه وإشعاعه فوق هذا وذاك، إنه فخر الأمة، إنه رمز الأمة، شأنه شان عظام الرجال الذين نادرا ما يجود بهم الزمان كما يقال، أولئك الذين لا زالت تغطي أنوارهم وأسرارهم الدنيا منذ الرعيل الأول. وكل من حاول أن يضيق عليه وسعا، فإنما يريد أن يسيء إليه من حيث يظن أنه يحسن صنعا، لأنه يقلل من قدره وقيمته ومكانته، ليحصره في زاوية ضيقة، وهذا ما كان يخطط له الأعداء بمكر ودهاء.

وقد بلغوا فعلا بعض ما كانوا يحيكون، حينما صرنا نرى شبابنا المبارك، من هذه الضفة أو تلك، ذلك الذي ننتظر منه أن يتعالى على الجزئيات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، طامحا بجد عن وحدة الأمة، ووحدة السواعد، وتصفية السرائر، نرى هولاء الشباب مع الأسف الشديد، يتنابزون بضراوة في ما بينهم بسوء الألقاب، وأبشع النعوت، بدون فائدة ولا جدوى، بل بدون بينة ولا دليل. فلنكن في مستوى الحديث عن الشيخ أيها الأحباب الكرام ولا نبخسه حقه، ولا نقلل من مقامه، وليكن الرجل قدوة لنا في المحبة والوحدة وبعد الرؤى وتصحيح التفكير ...

كان قصدي في هذه الحلقة، أن أسلط الضوء على الأوضاع التي كانت سائدة منذ ما قبل بروز الشيخ بوعمامة، بل منذ ما قبل رؤيته النور حتى، منذ التسلط الغاشم للاستعمار على بوابة الجزائر سيدي فرج، مرورا بالعلاقة الرائعة التي كانت سائدة بين الأمير عبد القادر والسلطان عبد الرحمان بن هشام في بداية الأمر، والوضعية المزرية للقبائل آنذاك، ومنها قبيلتي أولاد سيدي الشيخ وحميان كنتيجة لحبائك معاهدة لالة مغنية، وكذلك الإشارة إلى جملة من الثورات المباركة التي قام بها الشعب الجزائري الحر الأبي ضد الاستعمار، منذ الأمير عبد القادر إلى أن بلغ المشعل إلى الشيخ بوعمامة. كان قصدي أن أوضح المهد الذي خرج منه الشيخ بوعمامة للوجود أولا، ثم خرج منه للوجود العملي في ساحة الوغى...

غير أن ما تابعته من تعقيبات، فرضت علي أن أتقدم أولا بهذا المقال لتصحيح بعض المفاهيم الضيقة، حتى نرتفع بشيخنا الجليل إلى المقام اللائق به، فتابعونا في المقالات القادمة إن شاء الله...

كانت هذه وقفة استثنائية لتصحيح المسار قبل أن نواصل المشوار، فعلى بركة الله...

أخوكم

أحمد حاكمي البوشيخي

موقع الطريقة الشيخية الشاذلية ( طريقة أسلاف بيضاء نقية )

Mise en ligne le 15/11/2004. Tariqa-Cheikhiyya© 2004